السيد محمد الصدر

231

تاريخ الغيبة الصغرى

حال ، إذ لو كان اللّه تعالى لا يريد الظلم - بهذا المعنى - لما وجد الظلم على سطح الأرض . إلا أن سماحه بوجود الظلم ، لا يعني قهر الظالمين على إيجاد الظلم ، بل الظلم يوجد باختيار الظالمين وبمحض إرادتهم ، بعد أن وفر اللّه تعالى لهم فرص الطاعة وهداهم النجدين وعرفهم حرمة الظلم من الناحية التشريعية . فانحرفوا باختيارهم وأوجدوا الظلم باختيارهم ، من دون أن يكون للّه عز وجل أي تسبيب إلى إيجاده . إذن فالظلم غير مراد للّه تعالى ، لا تشريعا لأنه حرّمه في شريعته ونهى الناس عنه ، ولا تكوينا ، لأنه عز وجل لم يقهر الناس عليه . وإنما غاية ما هناك أنه سمح من الناحية التكوينية بوجود الظلم في خليقته ناشئا من اختيار الظالمين ، وذلك للتوصل إلى هدفين مهمين : الهدف الأول : المحافظة على الاختيار ونفي الجبر الذي قام البرهان على استحالته على اللّه عز وجل . فإنه لو قهر عباده على ترك الظلم لم يكن الاختيار متوفرا كما هو واضح . الهدف الثاني : إجراء قانون التمحيص والاختبار . الذي يفيد من الناحية الفردية ، بالنسبة إلى كل فرد من البشرية على الاطلاق لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ « 1 » . ويفيد من الناحية العامة باعتبار أن له أكبر الأثر في تحقق الهدف الأساسي من إيجاد الخليقة نفسها . فان المجتمع الموعود ، لا يمكن أن يحدث ما لم تسبقه فترة من التمحيص لتوفير شرطه الثاني الذي عرفناه . وفي ما يلي من البحوث ما يزيد ذلك جلاء ووضوحا . النقطة الثالثة : كما شارك الأنبياء السابقون عليهم السلام في التبشير باليوم الموعود ، استمر

--> ( 1 ) الأنفال : 8 / 42 .